الإيقاعات العُمانية: نبض عُمان من الرحماني إلى المسيندو والطار

رحلة في عالم الإيقاعات والآلات التقليدية العُمانية؛ من الرحماني والكاسر والرنة إلى المسيندو والطار والمنجور والسحال، مع شرح وظائفها وأصواتها وصلتها بالفنون الشعبية العُمانية.

Read in English
عازفو طبول عُمانيون يؤدون إيقاعات وفنوناً شعبية تقليدية في عُمان

حين نتحدث عن الموسيقى العُمانية، يصعب أن نتحدث عنها طويلًا قبل أن نصل إلى الإيقاع.

ففي كثير من الفنون العُمانية لا يعمل الإيقاع كمجرد خلفية للغناء أو اللحن، بل يشكّل جزءًا أساسيًا من هوية الفن نفسه. تتغير المنطقة والمناسبة وطريقة الغناء والحركة، لكن الإيقاع يبقى في قلب المشهد: يقود الخطوة، وينظم الصف، ويحرك الرقص، ويحدد شخصية الأداء.

ومن أكثر ما يميز الموسيقى التقليدية العُمانية التنوع الكبير في الآلات الإيقاعية وأساليب العزف عليها؛ من الرحماني والكاسر والرنة، إلى المسيندو والوقافي والمرواس والطار، وصولًا إلى المنجور والسحال والتنك واليم والبرغوم.

وهذا التنوع ليس منفصلًا عن تاريخ عُمان. فالموقع البحري للبلاد ربطها منذ قرون بشرق أفريقيا وجنوب آسيا ومناطق الخليج والمحيط الهندي، وترك ذلك أثره في بعض الفنون والآلات والإيقاعات التي أصبحت مع الزمن جزءًا من الشخصية الموسيقية العُمانية.

أداء شعبي عُماني بالطبول التقليدية والسيوف
الإيقاع جزء من الحركة والأداء الجماعي في الفنون الشعبية العُمانية.
مجموعة من الطبول العُمانية التقليدية
نماذج متنوعة من الطبول العُمانية.

كيف يُبنى الإيقاع؟

يمكن تبسيط أساس الأداء الإيقاعي إلى صوتين رئيسيين:

دُم: الضربة العميقة والممتلئة، وتُعزف غالبًا باتجاه وسط الجلد.

تَك: الضربة الأكثر حدة ووضوحًا، وتُعزف غالبًا قرب طرف الجلد.

أما إس فليست ضربة، بل ترمز إلى السكتة؛ أي المساحة الصامتة بين الضربات.

لكن الإيقاع الحقيقي لا يتكون من «دُم» و«تَك» وحدهما. فبينهما تأتي الزخارف والحشوات والكتم والضربات الخفيفة وتغيير موضع اليد أو العصا. وهذه التفاصيل هي التي تمنح الإيقاع لهجته وشخصيته. وقد يكون الوزن بسيطًا جدًا عند كتابته، لكن طريقة أدائه هي التي تمنحه الحياة.

عائلات الآلات الإيقاعية

يمكن تقسيم جانب كبير من الآلات الإيقاعية العُمانية، بصورة مبسطة، إلى ثلاث مجموعات: طبول ذات وجهين جلديين، وطبول وآلات ذات وجه جلدي واحد، ثم آلات إيقاعية أخرى تعتمد على المعدن أو الحركة أو مواد مختلفة. وقد تختلف أسماء بعض الآلات واستخداماتها من منطقة إلى أخرى، لذلك لا يمكن التعامل مع التراث العُماني وكأنه نظام واحد ثابت في جميع المحافظات.

فرقة فنون شعبية عُمانية مع مجموعة من الآلات الإيقاعية التقليدية
تنوّع الآلات داخل الفرقة الشعبية العُمانية يوضح اختلاف الأدوار بين الطبقات الإيقاعية.

الرحماني وعائلة الطبول ذات الوجهين

الرحماني

الرحماني من أبرز رموز الإيقاع العُماني. صوته عميق وممتلئ، وغالبًا ما يشكل الأرضية التي تستند إليها بقية الآلات. وعندما يجتمع مع الكاسر يظهر الحوار بين الصوت العميق والصوت الحاد؛ الرحماني يثبت النبض، بينما يتحرك الكاسر حوله بالضربات والزخارف.

طبل الرحماني العُماني
الرحماني.

الرحماني الطويل

يتميز الرحماني الطويل بجسم أطول ورنين أعمق من الرحماني المعتاد، ويمنحه هذا العمق حضورًا قويًا داخل المجموعة الإيقاعية.

طبل الرحماني الطويل العُماني
الرحماني الطويل.

الرنّة

للرنّة صوت واضح ومميز، وتضيف طبقة أخرى بين عمق الرحماني وحدّة الكاسر. ويختلف حجمها وشكلها باختلاف الفن والمنطقة، وتظهر في عدد من الفنون العُمانية.

طبل الرنّة العُماني
الرنّة.

الكاسر

إذا كان الرحماني يمثل العمق، فالكاسر يمثل الطرف الأكثر حدة. جسمه أصغر عادة، ولذلك يكون صوته أعلى وأكثر اختراقًا. وفي كثير من الفنون يعمل الاثنان كزوج متكامل: الرحماني يؤكد الضربات الأساسية، بينما يضيف الكاسر الحركة والزخارف. وهنا تظهر إحدى أهم خصائص الإيقاع العُماني: لا يكفي أن نفهم كل آلة منفردة، بل يجب أن نفهم الحوار بين الآلات.

طبل الكاسر العُماني
الكاسر.

الكاسر القصير

نسخة أقصر من الكاسر، ويظهر في بعض الفنون المحلية. ويمكن عزفه باليد أو العصا بحسب الفن وطريقة الأداء. قصر الجسم يغيّر طبيعة الرنين ويمنحه استجابة أسرع وصوتًا أكثر حدة.

طبل الكاسر القصير العُماني
الكاسر القصير.

الكاسر المفلطح / كاسر العيالة

يتميز الكاسر المفلطح، أو كاسر العيالة، بقصر جسمه بشكل واضح. ويعطيه هذا الشكل صوتًا سريعًا وحادًا مناسبًا للزخارف الإيقاعية. وفي بعض عروض العيالة يصبح أداء العازف نفسه جزءًا من المشهد؛ إذ يمكن رفع الطبل وتحريكه والعزف عليه بالعصا ضمن حركة الفرقة.

الكاسر المفلطح أو كاسر العيالة أثناء الأداء
الكاسر المفلطح / كاسر العيالة.

المرواس

المرواس من الآلات المرتبطة بصورة خاصة بمحافظة ظفار. وهو طبل صغير نسبيًا، ذو صوت حاد وواضح، ويظهر في فنون مثل البرعة والشرح. يحمله العازف بيد ويضرب عليه بالأخرى، ويمكن استخدام أصابع اليد الماسكة لإضافة ضربات وزخارف دقيقة. وفي بعض الفنون الظفارية يدخل المرواس في علاقة إيقاعية مهمة مع الهاجر، وهو الطبل الأكبر والأعمق صوتًا.

طبل المرواس العُماني
المرواس.

عائلة المسيندو

المسيندو من أكثر أشكال الطبول العُمانية إثارة للاهتمام. يتخذ جسمه أشكالًا طويلة أو مخروطية أو برميلية بحسب النوع، وله وجه جلدي واحد. ويثبت الجلد عادة على الطرف الأوسع باستخدام أوتاد خشبية. ومن خصائص بعض أنواعه إمكانية التحكم في شد الجلد وصوته بالتسخين قبل العزف، فيصبح ضبط الآلة جزءًا من خبرة العازف.

مسيندو الشوباني / المسيندو المخروطي

مسيندو الشوباني، أو المسيندو المخروطي، طبل طويل ذو جسم مخروطي. يمكن تثبيته إلى جسم العازف بواسطة حزام، ما يسمح بالعزف عليه باليدين أثناء الوقوف والحركة. وهذا يجعله مناسبًا بصورة خاصة لفن الشوباني.

مسيندو الشوباني والمسيندو القصير أثناء الأداء
مسيندو الشوباني إلى اليمين، والمسيندو القصير إلى اليسار.

المسيندو القصير

يتبع المبدأ البنائي نفسه تقريبًا، ولكن بجسم أقصر. ويستخدم في بعض الفنون مثل المديمة والليوا، ويؤثر اختلاف طول الجسم مباشرة في الرنين وطبيعة الصوت.

مسيندو الليوا

آلة أكبر وأكثر ثباتًا، وتوضع عادة على الأرض أو على قاعدة أثناء الأداء. ويقترب جسمها من الشكل البرميلي أو المخروطي، وتحتل موقعًا مركزيًا في فن الليوا. يُعزف عليها بالعصي، ويشكّل صوتها أحد المحاور الرئيسية التي تتحرك حولها بقية الآلات.

مسيندو الليوا أثناء الأداء
مسيندو الليوا.

مسيندو الطنبورة

يختلف مسيندو الطنبورة في نسب جسمه وشكله عن بعض أفراد العائلة الأخرى. وتستخدم في فن الطنبورة طبول بأحجام مختلفة، ما يسمح بتوزيع الأدوار بين الأصوات العميقة والحادة.

مسيندو الطنبورة العُماني
مسيندو الطنبورة.

الوقافي / مسيندو الميدان

الوقافي، أو مسيندو الميدان، من أبرز الآلات في فن الميدان. وهو طبل طويل ذو وجه جلدي واحد، ويتيح ارتفاعه للعازف أداءه وهو واقف. يُعزف عليه باليدين، ويؤدي دورًا مركزيًا إلى جانب الرحماني والكاسر.

الوقافي أو مسيندو الميدان أثناء الأداء
الوقافي / مسيندو الميدان.

الطار

الطار من أكثر الآلات الإيقاعية انتشارًا في الموسيقى العربية والخليجية، وله حضور واضح في عدد من الفنون العُمانية. يتكون أساسًا من إطار خشبي دائري يشد عليه الجلد من جهة واحدة، ويعزف عليه بالكف والأصابع.

الطار العُماني
الطار.

الطار ذو الصنوج النحاسية «البراشيم»

في بعض أنواع الطار تضاف إلى الإطار قطع معدنية صغيرة تهتز مع الضرب والحركة. ويمكن وصفها موسيقيًا بأنها صنوج نحاسية، بينما تعرف في أجزاء من الخليج باسم البراشيم، ويستخدم البعض التعبير الدارج «النحاس». وتضيف هذه الصنوج رنينًا معدنيًا فوق صوت الجلد، فيصبح لدينا صوتان متداخلان: النقر الإيقاعي والرنين المعدني.

طار عُماني ذو صنوج نحاسية أو براشيم
الطار ذو البراشيم.

الباز والقوطة

هناك أيضًا طبول يكون جسمها أقرب إلى نصف الكرة أو الطاسة، ويغطى الجزء المفتوح منها بالجلد. ويمنح اختلاف مادة الجسم وشكله هذه الآلات رنينًا مختلفًا عن الطبول الخشبية الأسطوانية.

الباز والقوطة من الآلات الإيقاعية العُمانية
الباز والقوطة.

ليس كل الإيقاع طبلًا

من أجمل ما في الموسيقى التقليدية العُمانية أن مفهوم الآلة الإيقاعية لا ينتهي عند الطبول وحدها، بل يمتد إلى أدوات أخرى تصنع النبض والزينة الصوتية داخل الأداء.

المنجور

المنجور من أكثر الآلات لفتًا للانتباه. يتكون من حزام تثبت عليه أعداد كبيرة من حوافر الأغنام المجففة، ويربط حول وسط المؤدي. ولا ينتج صوته بالضرب المباشر، بل من حركة جسم العازف نفسه. عندما تتحرك الحوافر وتصطدم ببعضها يظهر صوت جاف وكثيف ومميز، ولذلك لا يمكن فصل العازف عن الراقص في المنجور؛ فالجسد نفسه يصبح جزءًا من الآلة.

المنجور العُماني المصنوع من حوافر مجففة
المنجور.

الخلاخل

في بعض الفنون يتحول ما يرتديه المؤدي إلى مصدر للصوت. فالخلاخل المثبتة حول القدمين تنتج صوتًا مع الخطوات، وتضيف طبقة إيقاعية مرتبطة بالحركة والرقص.

خلخال تقليدي يُستخدم مع الحركة في بعض الفنون العُمانية
الخلخال.

السحال «الرنج / الطاسات»

السحال، ويعرف أيضًا في بعض الاستعمالات باسم الرنج أو الطاسات، عبارة عن زوج من الصنوج المعدنية الكبيرة نسبيًا. يمسك العازف واحدة في كل يد ويطرق إحداهما بالأخرى لإنتاج صوت معدني قوي وحاد. وهي أكبر وأثقل من الصاجات الصغيرة المستخدمة في بعض أنواع الموسيقى العربية، ولذلك يكون لصوتها حضور واضح فوق مجموعة الطبول.

السحال أو الرنج أو الطاسات العُمانية
السحال / الرنج / الطاسات.

التنك

«التنك» مثال واضح على قدرة الموسيقى الشعبية على تحويل الأشياء اليومية إلى آلات. فهو جسم أو صفيحة معدنية يعاد استخدامها كآلة إيقاعية، ويضرب عليها بالعصي لإنتاج صوت معدني قوي. ويظهر في بعض الفنون ذات الامتدادات البحرية والإفريقية مثل الليوا والطنبورة.

التنك المستخدم كآلة إيقاعية في بعض الفنون العُمانية
التنك.

عندما تصبح آلة النفخ جزءًا من الإيقاع

هناك آلات تنتج صوتها بالنفخ، لكنها قد تؤدي داخل بعض الفنون وظيفة أقرب إلى التأكيد الإيقاعي منها إلى عزف الألحان.

اليم / الجم

اليم، أو الجم، صدفة بحرية كبيرة تجهز للنفخ. وتنتج نغمة محدودة، لكن استخدامها يكون غالبًا بصورة متقطعة في نقاط معينة من الإيقاع، فتتحول النفخة نفسها إلى عنصر إيقاعي له حضور خاص.

اليم أو الجم، صدفة بحرية تُنفخ في بعض الفنون العُمانية
اليم / الجم.

البرغوم / البرغرم

البرغوم أو البرغرم يصنع تقليديًا من قرن حيوان كبير، ويصدر صوتًا قويًا عند النفخ فيه. ويستخدم في نقاط محددة لتأكيد الحركة وإضافة لون مختلف فوق الطبول، ويرتبط خصوصًا ببعض فنون السيف والرزحة والعازي.

البرغوم أو البرغرم أثناء أداء فن شعبي عُماني
البرغوم / البرغرم.

صناعة الصوت تبدأ قبل العزف

جانب كبير من شخصية الإيقاع العُماني يأتي من صناعة الآلة نفسها. فقد استخدمت تاريخيًا أنواع مختلفة من الأخشاب المحلية والمستوردة، كما استخدمت جلود الأغنام والأبقار وغيرها بحسب نوع الطبل والمنطقة.

لكن المادة ليست العامل الوحيد. فسمك الجلد، وقطر الطبل، وطول الجسم، ودرجة شد الجلد، وطريقة تثبيته، والحرارة والرطوبة، كلها تؤثر في الصوت. ولهذا كان تجهيز الطبل وضبطه جزءًا من معرفة العازف التقليدي.

الإيقاع العُماني ليس وزنًا فقط

يمكن كتابة إيقاع على الورق باستخدام «دُم» و«تَك» و«إس»، لكن ذلك لا يكفي لفهمه. فالهوية الحقيقية موجودة في المسافة بين الضربات، وفي الزخارف والكتم، وفي طريقة حمل الآلة، وفي اختلاف قوة اليد، وفي حوار الرحماني مع الكاسر، وفي رنين البراشيم داخل الطار، وفي حركة عازف المنجور، وفي صوت السحال أو نفخة اليم والبرغوم التي تدخل في اللحظة المناسبة.

وفي بعض الفنون لا يمكن فصل الإيقاع عن الحركة أصلًا؛ فالإيقاع والرقص يشكلان معًا منظومة واحدة.

تراث حي

هذه الآلات لم تُصنع لتعرض خلف الزجاج. الرحماني والكاسر والرنة والمسيندو والطار والمرواس والمنجور وغيرها صنعت لتعيش داخل الفنون وبين الناس؛ في الأعراس والأعياد والمواكب والسمر والفنون البحرية والمناسبات الاجتماعية.

ولذلك فإن الحفاظ على هذا التراث لا يعني حفظ أسماء الآلات فقط، بل يعني توثيق أصواتها وطرق صناعتها وعزفها، والاختلافات بين مناطق عُمان، والعلاقة بين الآلات والفنون التي تنتمي إليها.

فالآلة من دون إيقاعها ناقصة، والإيقاع من دون سياقه ناقص، والفن من دون أهله يفقد جزءًا كبيرًا من معناه.

وعندما نستمع جيدًا إلى الإيقاعات العُمانية، فإننا لا نسمع طبولًا فقط؛ بل نسمع البحر والسفر والجبل والصحراء والاحتفال والعمل والحركة، وطبقات طويلة من تاريخ عُمان الثقافي وقد تحولت إلى نبض.

0 comments

Leave a comment

Please note, comments need to be approved before they are published.